اصدارات جديدة
****
إمريكا واسر، ائيل في المستنقع الاير، اني
ح، رب إسقاط النظام وانقلاب موازين القوة
مقدمة
مع اندلاع الح, رب الأمريكية–الإسرا، ئيلية ضد إير، ان، وجدتني أتابع تفاصيلها يوماً بيوم، لا بوصفها مجرد مواجهة عسكرية جديدة في منطقة اعتادت الح، روب، وإنما باعتبارها حرباً تحمل في طياتها أسئلة تتجاوز ميادين القتال إلى مستقبل المنطقة بأكملها. ولهذا جاءت معظم المقالات التي كتبتها خلال الح، رب مشغولة بسؤال أساسي: ما جدوى هذه الح، رب؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة وإسرا، ئيل تحقيق الأهداف التي أعلنتاها من خلال القصف والاغتي،الات وتدمير المنشآت، أم أن هذه الح، رب ستفتح أبواباً جديدة للصراع يصعب إغلاقها؟
منذ الأيام الأولى، بدا لي أن الح، رب لن تحقق بسهولة ما أراد لها مخططوها. فالح، رب، مهما بلغت قوتها التدميرية، لا تستطيع وحدها أن تصنع نظاماً سياسياً جديداً، ولا أن تفرض الديمقراطية بالقنابل والصواريخ. وإذا كانت واشنطن وتل أبيب قد راهنتا على انهيار النظام الإيرا، ني من الداخل، فإن هذا الرهان كان يقوم على قراءة غير واقعية لطبيعة المجتمع الإير، اني، وقدرته على التماسك في مواجهة الخطر الخارجي.
لقد دفعت إير، ان ثمناً بشرياً ومادياً كبيراً، وتعرضت منشآتها وبناها التحتية ومواقعها العسكرية والمدنية إلى ضربات قاسية، لكن الخسائر لم تدفع الدولة الإيرا، نية إلى الاستسلام. على العكس، استمرت في الرد وتحولت الح، رب تدريجياً من عملية عسكرية يفترض أن تكون محدودة الأهداف إلى مواجهة مفتوحة تحمل مخاطر استراتيجية على المنطقة والعالم.
وكان من أبرز الأخطاء الاستراتيجية للتحالف الأمريكي–الإسرا، ئيلي الاعتقاد بأن إسقاط القيادة الإيران، ية يمكن أن يؤدي تلقائياً إلى إسقاط النظام. فالدول لا تختزل في شخص قائد، والأنظمة السياسية لا تنهار بالضرورة باغتي،ال شخصياتها الأولى. وقد أثبتت الأحداث أن استهداف القيادة الإيرا،نية لم يؤد إلى النتيجة التي توقعتها واشنطن وتل أبيب، بل ساهم في زيادة التماسك الداخلي وتعزيز الشعور بأن البلاد تواجه حرباً تستهدف وجودها وسيادتها.
ومن هنا، كان السؤال الأخلاقي والسياسي حاضراً بقوة: كيف يمكن للعالم أن يتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم يتعامل مع القصف العسكري بوصفه وسيلة لإحداث التغيير السياسي؟ وهل يمكن أن تصل الديمقراطية على متن الطائرات الحربية أو أن تبنى الحرية فوق أنقاض المدن والمنشآت المدنية؟
إن الديمقراطية لا تفرض بالقوة العسكرية، والشعوب هي التي تصنع أنظمتها السياسية، مهما كانت ملاحظاتنا على تلك الأنظمة. ولذلك فإن الوقوف ضد العدوان لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل سياسات الحكومة الإير، انية، كما أن رفض الح، رب لا يعني تجاهل مطالب الشعب الإيرا، ني أو حقه في الإصلاح والتغيير. إنما يعني ببساطة رفض تحويل الشعوب إلى ضحايا لصراعات القوى الكبرى.
ومع استمرار الحرب دخلت الدبلوماسية الإيرا، نية بقيادة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى قلب المعركة. فلم تعد المفاوضات مساراً منفصلاً عن الح، رب، بل أصبحت إحدى ساحاتها. وتحولت الكلمات والمواقف والرسائل المتبادلة إلى أدوات ضغط لا تقل أهمية عن الصواريخ والطائرات. وفي المقابل بدا أن واشنطن فقدت تدريجياً القدرة على التحكم بمسار الح،رب، فانتقلت من الحديث عن تغيير سياسي سريع إلى البحث عن صيغة للخروج من مأزق عسكري وسياسي أخذ يتسع.
وفي هذه الح،رب برزت أيضاً استراتيجية الاغت،يال بوصفها أداة رئيسية في محاولة قطع الطريق أمام القيادة الإير،انية. لكن اغت،يال بعض المسؤولين والشخصيات السياسية والعسكرية لم يؤد إلى شل الدولة الإير،انية، بل أظهر قدرة المؤسسات الإير،انية على الاستمرار وإعادة ترتيب صفوفها.
أما مضيق هرمز، فقد تحول إلى واحدة من أهم أوراق القوة في هذه المواجهة. فالموقع الاستراتيجي للمضيق ودوره في حركة الطاقة العالمية جعلا منه ورقة تفاوض وضغط تتجاوز حدود إير، ان والمنطقة. وأصبح أي تهديد للملاحة فيه قادراً على إحداث تأثير مباشر في أسواق النفط والاقتصاد العالمي، الأمر الذي جعل الح، رب الإيرا، نية لا تقرأ عسكرياً فقط، وإنما اقتصادياً وجيوسياسياً أيضاً.
كما كشفت الح، رب عن معادلة أمنية جديدة في الخليج. فوجود القواعد والقوات الأمريكية في عدد من دول المنطقة جعل هذه الدول جزءاً من دائرة الخطر، وأصبح السؤال المطروح: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تخوض حرباً مباشرة ضد إي، ران من دون أن تتحول قواعدها ومصالحها في المنطقة إلى أهداف محتملة؟ لقد تغيرت بذلك قواعد الاشتباك ولم تعد الح،رب محصورة في الأراضي الإيرا، نية، بل أصبحت ذات امتدادات إقليمية واسعة.
ومن أكثر الجوانب إثارة للقلق في هذه الح، رب استهداف مواقع مدنية وتراثية وثقافية، الأمر الذي يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية حماية ذاكرة الشعوب وحضاراتها. فالح،روب لا تدمر البشر والمنشآت فقط، إنها تستطيع أن تدمر أيضاً الشواهد التي تحفظ تاريخ الأمم وذاكرتها. ولهذا فإن حماية المواقع التاريخية والثقافية ليست قضية إيرا،نية فحسب، بل قضية إنسانية تتعلق بالتراث المشترك للبشرية.
وخلال الح،رب، لم تتوقف الح،رب الإعلامية. فقد اعتمدت الإدارة الأمريكية كما فعلت إسرا، ئيل على روايات وتصريحات متناقضة، وعلى الإعلان المتكرر عن تحقيق انتصارات وحسم أهداف عسكرية. لكن الح،رب لا تقاس بما يعلنه طرف من أطرافها، وإنما بما تفرزه الوقائع على الأرض، وبقدرة كل طرف على الاستمرار وتحقيق أهدافه السياسية والعسكرية.
ومن هذه الزاوية، بدا أن إير، ان استطاعت أن تمنع تحقيق الهدف الأكبر للح، رب، أي فرض الاستسلام عليها أو إسقاط نظامها السياسي بالقوة. كما أن ورقة مضيق هرمز تحولت إلى عنصر ضغط مهم في الحسابات الدولية، بينما لم تستطع الولايات المتحدة أن تجعل الحصار البحري وسيلة حاسمة لإنهاء المواجهة.
والأهم من ذلك كله أن الموقف الشعبي الإير، اني بدا أكثر تعقيداً مما توقعته بعض الدوائر الأمريكية والإسرا، ئيلية. فحتى بعض المعارضين للنظام وقفوا، في لحظات الخطر الخارجي، إلى جانب بلدهم في مواجهة الهجوم. وهذه ظاهرة تتكرر في التاريخ: قد تختلف الشعوب مع حكوماتها، لكنها عندما تشعر أن وطنها يتعرض لعدوان خارجي، فإن الأولوية قد تنتقل من الصراع الداخلي إلى الدفاع عن السيادة الوطنية.
وعلى المستوى الدولي، كشفت الح،رب مرة أخرى عن حدود القدرة الأمريكية على فرض إرادتها منفردة. فقد اتخذت الصين موقفاً أكثر وضوحاً في دعم إير، ان، كما برز الموقف الروسي في مواجهة محاولات تمرير قرارات دولية تستهدف إير، ان. وهكذا لم تعد الحرب مجرد مواجهة بين إير، ان من جهة والولايات المتحدة وإسرا، ئيل من جهة أخرى، وإنما أصبحت اختباراً جديداً لتوازنات النظام الدولي وصعود عالم متعدد الأقطاب.
وفي خضم ذلك كله، ظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بوصفه لاعباً يجمع بين القوة العسكرية والضغط السياسي والتفاوضي. غير أن الح، رب أثبتت أن الطرف الذي يمتلك القوة العسكرية الأكبر لا يمتلك بالضرورة كل أوراق التفاوض. فالمفاوضات مثل الح،روب تقوم على موازين القوة، لكنها تقوم أيضاً على القدرة على الصمود وعلى امتلاك الأوراق التي تجعل الطرف الآخر مضطراً إلى الاستماع.
هذا الكتاب هو حصيلة متابعة يومية للح،رب ومحاولة لقراءة ما وراء الأخبار العاجلة والتصريحات الرسمية. إنه ليس كتاباً عن المعارك وحدها ولا عن الصواريخ والطائرات والاغتيالات وإنما عن الأسئلة التي أنتجتها الح،رب: لماذا اندلعت؟ وما أهدافها الحقيقية؟ وهل كان إسقاط النظام الإيرا،ني هدفاً واقعياً؟ ومن انتصر عسكرياً وسياسياً؟ وكيف تغيرت معادلات القوة في الخليج والشرق الأوسط؟ وما مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسر، ائيل بعد توقف المعارك؟
ويصدر هذا الكتاب في وقت لم تغلق فيه صفحات الح، رب تماماً، وما زالت المواجهة بين إير، ان والولايات المتحدة وإسر، ائيل تحمل احتمالات متعددة. فالحصار مستمر، والضغوط السياسية والاقتصادية متواصلة، وإير، ان تحاول كسر الحصار والحفاظ على أوراق قوتها، فيما لا تزال واشنطن تبحث عن صيغة تحقق لها مكاسب سياسية واستراتيجية من ح، رب لم تستطع حسمها بالوسائل العسكرية وحدها.
ولذلك فإن قراءة هذه الحرب لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: من أطلق الرصاصة الأولى؟ بل يجب أن تمتد إلى السؤال الأكبر: أي شرق أوسط ستنتج هذه الح، رب؟
ذلك هو السؤال الذي حاولت، في هذا الكتاب، أن أقترب من إجابته