حمدي العطار
في خطوة ثقافية تعكس حيوية المشهد الأدبي العراقي وحرصه على مواكبة الإصدارات الجديدة، نظّمت بغداد، مدينة الإبداع الأدبي التابعة لليونسكو، صباح الثلاثاء الموافق 9 حزيران 2026، فعاليات “مهرجان الكتاب الأول”، وهو مهرجان ثقافي فصلي يهدف إلى تسليط الضوء على أبرز الكتب والإصدارات الحديثة في مجالات الأدب والفكر والمعرفة، والاحتفاء بمؤلفيها ومترجميها ونقادها.
ويأتي هذا المهرجان بوصفه مبادرة ثقافية تسعى إلى إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه قيمة معرفية وحضارية تتجاوز حدود التداول التجاري، وتعزيز ثقافة القراءة الواعية القائمة على الحوار والنقاش النقدي، فضلاً عن رصد الاتجاهات الجديدة في الكتابة الأدبية والفكرية على المستويات البغدادية والعراقية والعربية والعالمية.
شهدت الدورة الأولى من المهرجان حضوراً لافتاً من الأدباء والباحثين والمهتمين بالشأن الثقافي، وتوزعت فعالياتها على جلستين أدارهما الدكتور صادق رحمة محمد والشاعر جاسم العلي، حيث جرت مناقشة ثمانية عشر كتاباً تمثل تنوعاً واضحاً في الأجناس الأدبية والمعرفية، من الشعر والرواية والنقد الأدبي إلى الترجمة والسيرة الذاتية وأدب الرحلات والسينما والقصة القصيرة.
وضمت قائمة الكتب المشاركة كتاب “قصيدة القناع في الشعر العربي المعاصر” للأستاذ الدكتور رعد الزبيدي، وكتاب “المرأة وفلسفة التناقضات: دراسة سوسيوثقافية مغايرة” للأستاذ الدكتور سمير الخليل، وكتاب “منابع سلطة الوهم” للمفكر جمال جاسم أمين، فضلاً عن كتاب “توهج النص: دراسات نقدية” للأستاذ الدكتور عبد الباقي الخزرجي، وكتاب “تكنو-ثقافة الرواية في التداول المعرفي” للناقد إسماعيل إبراهيم عبد.
كما استعرض المهرجان ديوان “لم يكن بمقدور قلبي الكلام: قصائد لحظة” للشاعر هيثم الطيب، ورواية “أميركية في الشماعية” للروائي علي جاسم السواد، وكتاب “صناعة الخرافة وما بعد الرواية” للمترجم سهيل نجم، إضافة إلى ديوان “عميان بصباحات ملونة” للشاعر حميد الساعدي، ورواية “نوائح سومر” للروائي عبد الستار البيضاني.
وشملت القائمة كذلك كتاب “أميري بركة: مختارات شعرية” بترجمة الدكتور صادق رحمة محمد، وكتاب “النص والنظرية” للناقد محمد يونس محمد، وكتاب “حتى مطلع الفجر: سيرة سجين سياسي” للأستاذ خضر عبد الرحيم، والمجموعة القصصية “نظرات معلقة” للقاص كريم جبار الناصري.
ومن بين الكتب التي حظيت باهتمام الحضور كتاب “إيران المجهولة: وجوه وحكايات” للكاتب والباحث حمدي العطار، إلى جانب كتاب “محطات سينمائية” للناقد السينمائي علي حمود الحسن، ورواية “النوم مع سحلية ميتة” للأديب سعد عودة، والمجموعة القصصية “معرض استعادي” للقاص ثائر إبراهيم.
وقد مثّل كتاب “إيران المجهولة: وجوه وحكايات” نموذجاً مميزاً لأدب الرحلات المعاصر، إذ قدّم مؤلفه حمدي العطار إشارة تعريفية أوضح فيها طبيعة المشروع الذي أنجزه عبر سلسلة من الرحلات إلى مدن إيرانية متعددة، شملت طهران وأصفهان وشيراز وهمدان ورشت وبندر عباس وغيرها من المدن التي تمتلك خصوصيتها التاريخية والثقافية والإنسانية.
وأكد العطار أن الكتاب لا ينطلق من منظور سياسي أو من الصور النمطية المتداولة، بل يسعى إلى الاقتراب من الإنسان الإيراني وحياته اليومية، عبر رصد تفاصيل المدن والأسواق والقرى والجبال والسواحل، وتقديم صورة أكثر عمقاً وتنوعاً للمجتمع الإيراني. وأشار إلى أن الكتاب ليس دليلاً سياحياً بالمعنى التقليدي، بل رحلة معرفية وإنسانية تحاول اكتشاف الروح الكامنة خلف المكان، واستنطاق ما تختزنه المدن من حكايات وتجارب وثقافات متراكمة.
ويتناول الكتاب مشاهدات وتأملات دوّنها المؤلف خلال أسفاره، حيث يرسم لوحة واسعة تمتد من القمم الجبلية المغطاة بالثلوج إلى الصحارى المترامية الأطراف، ومن المدن التاريخية العريقة إلى الموانئ المطلة على البحار، جامعاً بين عناصر التاريخ والجغرافيا والثقافة في سرد رحلي يركز على الإنسان بوصفه محور التجربة.
كما يولي الكتاب اهتماماً خاصاً بحكايات الناس وعاداتهم وتقاليدهم وأنماط عيشهم، انطلاقاً من قناعة مؤلفه بأن فهم الشعوب لا يتحقق عبر الخطابات العامة وحدها، بل من خلال الاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية والإصغاء إلى التجارب الإنسانية الفردية والجماعية. ومن هنا يطرح الكتاب دعوة إلى الحوار الثقافي والتعرف المتبادل بين الشعوب، وإلى اكتشاف المشتركات الإنسانية التي تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية.
وقد عكست الكتب المشاركة في المهرجان تنوعاً في الرؤى والموضوعات والأساليب، الأمر الذي يؤشر إلى حيوية المشهد الثقافي العراقي وقدرته على إنتاج مشاريع فكرية وإبداعية تتناول قضايا الإنسان والمجتمع والهوية والمعرفة من زوايا متعددة. كما أتاح المهرجان فرصة مهمة للتواصل المباشر بين المؤلفين والقراء والنقاد، بما يعزز مناخ الحوار الثقافي ويمنح الإصدارات الجديدة مساحة أوسع للتعريف والنقاش.
وفي ختام فعاليات المهرجان، قام المدير التنفيذي لبرنامج بغداد مدينة الإبداع الأدبي – اليونسكو بتوزيع الشهادات التقديرية على المشاركين، تقديراً لجهودهم وإسهاماتهم في إثراء الحياة الثقافية، وسط أجواء أكدت أهمية استمرار مثل هذه المبادرات التي تجعل من الكتاب محوراً للمعرفة والتواصل والإبداع.
لقد نجح “مهرجان الكتاب الأول” في تقديم صورة مشرقة عن المشهد الثقافي العراقي المعاصر، وأثبت أن الكتاب ما زال قادراً على جمع المبدعين والقراء حول أسئلة الفكر والجمال والمعرفة. كما فتح المهرجان نافذة جديدة للتعريف بالإصدارات الحديثة ومناقشتها، بما يسهم في تنشيط الحركة الثقافية وترسيخ مكانة بغداد بوصفها مدينة للإبداع الأدبي وحاضنة للمشروعات الفكرية والثقافية المتجددة.